محمد بن جرير الطبري

179

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

192 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله " صراط الذين أنعمت عليهم " ، قال : النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه ( 1 ) . قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جَلّ ثناؤه لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم ، وتوفيقه إياهم لها . أوَ لا يسمعونه يقول : " صراط الذين أنعمت عليهم " ، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟ فإن قال قائل : وأين تمام هذا الخبر ؟ وقد علمتَ أنّ قول القائل لآخر : " أنعمت عليك " ، مقتضٍ الخبرَ عمَّا أنعمَ به عليه ، فأين ذلك الخبرُ في قوله : " صراط الذين أنعمت عليهم " ؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟ قيل له : قد قدّمنا البيان - فيما مضى من كتابنا هذا - عن إجراء العرب في منطقها ببعضٍ من بعض ، إذا كان البعضُ الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيًا منه . فقوله : " صراط الذين أنعمتَ عليهم " من ذلك . لأن أمرَ الله جل ثناؤه عبادَه بمسألته المعونةَ ، وطلبهم منه الهدايةَ للصراط المستقيم ، لما كان متقدّمًا قولَه : " صراطَ الذين أنعمت عليهم " ، الذي هو إبانةٌ عن الصراط المستقيم وإبدالٌ منه - كان معلومًا أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمَرنا بمسألته الهدايةَ لطريقهم ، هو المنهاجُ القويمُ والصراطُ المستقيم ، الذي قد قدّمنا البيان عن تأويله آنفًا ، فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين - مغنيًا عن تكراره . كما قال نابغة بني ذبيان : كأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ . . . يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بشَنِّ ( 2 )

--> ( 1 ) الأثر 192 - مضى هذا الإسناد : 185 . وأما نص الأثر ، فهو عند ابن كثير 1 : 53 . وقال بعد هذه الروايات : " والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل " . يعني الخبر 188 . ( 2 ) ديوانه : 58 ، سيبويه 1 : 375 ، مجاز القرآن : 101 الخزانة 2 : 314 ، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري . بنو أقيش : هم بنو أقيش بن عبيد . وقيل : فخذ من أشجع . وقيل : حي من اليمن في إبلهم نفار شديد . وقيل : هم حي من الجن يزعمون . وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت . والشن : القربة البالية . يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع ، كأنه جمل شديد النفار ، إذا سمع صوت شن يقعقع به